الرؤيا الحق
مشى الفقر إلى كوخ خراب يقع أطراف القدس .
على ربوة منسيّة .
يخيّم عليه الإهمال والصّمت.
أركانه غير سويّة.
أشبه بقبر مهدم لا يصلح حتّى للأموات.
فقر كأنّه تنّين.
...تنّين له ألف ذراع.
ببعضها يريد العبث بأركان الكوخ.
وببعضها الآخر يريد شنق صبيّة.
وشيخ يعوم في أحواض البؤس.
تكوّرت أضلاعه ضلعا ضلعا.
...عذّبه النّوى
...أنحله إلى حدّ المنتهى
وجده, آلامه, آهاته, أحزانه ...
كلّ يحاول أن يخفيها.
... برداء بالي
... يخفيها.
ببسمات متشقّقة...
يحاول أن ينهيها
لكن هذا التّنّين جاء كالعادة ليطويها.
...وإن كانت بائسة.
... وإن كانت يائسة.
لا يريدها أن تحيا.
وإن كانت متشقّقة.
لا يريدها أن تبقى.
يريدها ...
يريدها أن تفنى.
...شيخ سقيم.
...مسّه قرح عظيم.
...كوخه هشيم.
ليس له سوى صبيّة.
تمضغ أيّام الشّباب يوما بعد يوم.
ويمضغها البؤس كلّ يوم، قالت:
أبي، كيف أفسّر الرّؤيا ؟
من أضرحة جبال القدس.
يمضغني اللّهيب.
من أضلع غابات القدس.
يحرقني اللّظى وينفثني هباء سودا.
قال:بردا وسلاما يا ابنتي.
اقتربي, اقتربي, وأوقدي حطب الأيّام في حدقي وازرعي في شراييني شمسا
...شمسا تدفئني
...شمسا تصهر بردا.
...تصهر بؤسا.
...توقضني.
قالت : ويح نفسي, لم هاذي العظام كأنّها قدّت من جليد.
قال: هذا الحصير عتيق عتيق
قالت : بل من عظامي سريرك العالي يا أبي
ومن روحي غطاك يا ابنتي فابتهلي.
قالت: أبي جائعة, ولم يبقى من السّبع ولا سنبلة.
قال : تعالي, واحملي من رمادي عمري.
واصنعي به خبزا نأكله...آه نأكله.
قالت:لم الآه منك تنساب كالدّمع من المقل؟
قال : إنّي رأيت أحمل خبزا فوق رأسي والطّير تأكل منه.
وأنا أعرف كيف أفسّر الرّؤيا
... يا أنتَ, يا شاطئ النّيران في كبدي.
... يا ملجأً في متاهاتي وفي وجلي.
لم الآه منك تنساب كالدّمع من المقل؟
هذا رقات دمي, فاستنسخ منه دواء لجرح لمّا يندمل
يا أنتِ... يا أقرب من آهاتي ومن أنيني.
يا إكليلا قدّ من دمي
اجلسي قربي أطعمك دفئي.
قالت: وفي لهيب القول يحلوا لقصص يا أبي.
قال:ابتدأنا الحياة بكن.
في البدء كنّا نتعلّم.
أبدا لم نتألّم.
قالت: ومال القدس؟
لم ينزف دما؟
لم يحترق ألما ألما ؟
إلى متى ؟
إلى متى يتجرّع الحزن حزنا حزنا؟
قال: وطننا ليس كأيّ وطن.
وحده القدس في المهد تكلّم.
وحده القدس... في المهد تكلّم.
...بصوت من طهر.
...كطهر العذراء.
بصوت من نقاء.
صوت للخلود.
وراودته إسرائيل عن نفسه.
ونسجت بيت العنكبوت.
ولفّته حوله خيطا خيطا.
فأصبح القدس سجينا.
همّه أن يرى رؤيا أو يفسّر حلما.
قالت: لكن بيوتهم ستغدو كالعهن المنفوش.
وسيتيهون في الأرض سنينا عددا.
وسيولد القدس من جديد.
وستزهر الأسرار في اليمّ.
وسينفث القدس ريح الأسر كي يتبدّد.
وسينفث القدس رمد الوحشة كي يتجدّد.
وسنأنس نارا
ونشعل أكوام الحطب.
وسنصنع خبزًا.
نأكله.
وتأكل الطّير أيضا منه.
وهذا تأويل رؤياك يا أبي وسيجعلها ربي
التسميات: نثر
0 Comments:
رسالة أحدث رسالة أقدم الصفحة الرئيسية
إرسال تعليق