على أنغام بدر شاكر السياب
أنشودة المطر في ربيع العرب
تأخر المطرْ
والموتُ في الأرجاءِ لا يُبقي ولا يَذرْ
وتصرخُ الأوراقُ والأغصانُ في الشجرْ
ألفُ ربيعٍ مرَّ فوقَ الأفْقِ والمطرْ
يداعبُ الجفونَ والعيونُ في خطرْ
وذي الحروبُ في الجوارِ تطحنُ الحجرْ
ونحن في خريفِنا ننتظرُ الثمرْ
هل يا ترى سينضجُ الثمرْ ؟
وهل قريبًا يا رفاقي يبسمُ القمرْ
أم أن آلامًا لنا قد خطّها القدرْ
وليس يمحو ما يخطُّه القدرْ
سوى ربِّ البشرْ
قد غازلَ السيابُ عينيها
وقهري ما يزالْ
يؤمُّ ما يؤمُّ من أيامِها الثقالْ
وتزحفُ الآلامُ فوقَ الأرضْ
لتسحقَ الأجيالْ
وتعبرَ السهولَ والجبالْ
ويرخصُ الإنسانُ في أفيائِها
ويتعبُ السؤالْ
قد أُفقِدَ اللحنُ الشجيُّ رونقَ الجمالْ
وذابَ في تفاصيلِ الهزيمةْ
جميعُ ما يُقالْ
من همسةِ المحالْ
ثم أقولُ يا رفاقُ هل ترونَ أنَّهُ
تأخَّرَ المطرْ ؟
هل يعلمُ السيابُ في أرجائنا
كم يؤلمُ المطرْ
وكيف يبتلُّ المشردونْ
إن سالَ وانهمرْ
وكيف يشعرُ الرضيعْ
إن كان ما للأمِّ من أثرْ
تأخرَ المطرْ
ونحن لا نريدُ هذا العامْ
أن يهطلَ المطرْ
لأنه لا بدَّ للغيومْ
أن تحجبَ القمرْ
أصيحُ بالنخيلِ يا نخيلْ
بشاطئ الفراتْ
تكاثفت في أرضنا الدموعُ والويلاتْ
صراخُ ثكلى فوقَ رأسِ طفلِها الذي
يسوقُه الرحيلْ
وأنت تغفو في سباتِ القهرِ والدليلْ
لم تُلقِ للجياعْ
من ناضجِ الثمرْ
تأخَّرَ المطرْ
ما زالت الدماءُ في الأفياءْ
بنزفِها تجودْ
ونحن رغمَ ضعفِنا
بعزمنا سنحفرُ الخنادقْ
للموتِ والصمودْ
ونغلقُ اللحودْ
فقد بدأنا يا رفاقي رحلةَ الخجل
من عابقِ الأمجادِ للجدودْ
ومن ندى جبيننا
ستولدُ البروقُ والرعودْ
ونصنعُ المطرْ
لكنّني ما زالَ رأيي أنّه
تأخَّرَ المطرْ
يا أيها المطرْ
قد صاحَ سيابُ العراقِ سالفًا
في لُجّةِ الخليجْ
فعادت الأصداءُ من صراخِهِ
كأنّها النشيجْ
فهل تصيحُ الآنَ يا سيابَنا
ليبرأَ الخليجْ
من ذلك المسِّ الذي أصابهُ
كأنّهُ في ذلك العَناءْ
ذاقَ مسّ سقرْ
من شدةِ الآلامِ بات صارخًا
يا أيها الأعرابْ
يا أيها البشرْ
متى متى يا إخوتي سيهطل المطر؟
أكادُ ٱسمعُ الأشلاءَ في جوفِ الحفرْ
تئنُّ من صراخِنا وتأكلُ المَدَرْ
كأنّ قناصًا لعينًا يُشهرُ السلاحْ
ويمنعُ الأفراحْ
ويحصدُ النفوسَ والأرواحْ
على ضوءِ القمرْ
وتسألونَ يا رفاقي عن مدى الضجرْ
ومكمنِ الخطرْ
إذن عليكم رفقتي
أن تسمعوا الخبرْ
تأخَّرَ المطرْ
قالوا انتهى الشتاءُ في بلادنا
وٱقبلَ الربيعْ
وضجَّ بالأفراحِ عالمي
واستبشرَ الرضيعْ
ولاحَ برقٌ في سمائي أبشروا
ستشرقُ الشموسُ في أرجائنا
وتكسرُ الصقيعْ
ثم انتظرنا حتفَنا
كالحملِ الوديعْ
وقد وجدنا أنّنا بقفزةٍ
صرنا بقلب عالم قد سمي الخريفْ
بتنا نرى آمالَنا تصارعُ النزيفْ
وتدفنُ الأحياءَ تحتَ ردمِها
وتشتهي الرغيفْ
ويرقصُ الأمواتُ والأحياءْ
وتنتشي بوابلِ الدماءْ
مدامعُ الوترْ
لكي يعودَ منهكًا للرقصِ والغناءْ
ويفقدَ الرجاءْ
بعودةِ المطرْ
تأخَّرَ المطر
يا أيها المطرْ
تثاءبت دماؤنا على مدى الزمنْ
وما اكتفينا من عراكٍ يصنعُ المحنْ
من ذلك الأخ الذي في الطعنِ والنزالْ
قد مزقَ الأرحامَ والأوصالْ
وفجرَ الويلاتِ والأهوالْ
وشردَ الأطفالْ
وكلُّ هذا يا رفاقي من جنى الفتنْ
لكلِّ هذا فاعلموا
تأخَّرَ المطرْ
تأخَّرَ المطرْ
##ريميات2016
الأحد : 16/10/2016
التسميات: فصحى
0 Comments:
رسالة أحدث رسالة أقدم الصفحة الرئيسية
إرسال تعليق